بين ثمانية أشهر وأنبوبين

صباح عادي, ربّما كان مشرقاً, ولكنه بدا عاديا

بعد نوم ساعة ونصف من صلاة الفجر نستيقظ على شاطئ بوابة الخمسين حيث المستشفى الميداني الذي يقلع منه الإسعاف الطائر
استيقظنا هذه المرة على صوت الأمواج بدل إزعاج الهيلوكوبتر لنا كل صباح
لقد تأخرت في آخر يوم لها

نأكل شيئاً ونشرب آخر، لم أشرب قهوة، وكأنني كنت أعلم أن هناك من سيعوّض تأثير الكافيين لاحقا..

ثم نتسابق إلى سيارات الإسعاف متجهين إلى الجبهة هرباً من ملل انتظار الحالات بالقرب من الطبّاخين ومخازن التموين

نقف في محطة جديدة هذه المرة قبل مكاننا المعهود، في منطقة الزعفران غرب مدينة سرت التي لا تبعدنا كثيراً

ولا أتذكّر أن طلب منا أحد التقدّم في ذاك الصباح الاستثنائي

ننزل من السيارات ننتظر تحت شجر مصدات الرياح بالقرب من سور مزرعة يرتفع مترا واحداً وراءنا، الشمس ترتفع وتزداد لهيباً

لم أستطع التفرقة حينها بين ضربات حلف الناتو وصوت الآر بي جي! الهواء يتكثّف بصفير الرصاص تدريجيّا ممّا أجبرنا على الانبطاح وإلقاء النكت عن من سيستشهد أولاً

وضعت قفازاتي الطبية في جيبي

بينما يتخبّط جهاز اللاسلكي بالكلمات المشفّرة والأسماء المستعارة، تخرج منه كلمات تغيّر من جلستنا وتحرّك الأدرينالين في غددنا بدل سحبه من قواريرنا بالحقن كما كنا نفعل في العادة.. فتتسع حدقات الأعين التي تنظر إلى أخواتها بفضول فتخف حرقة الشمس ويصمت الرصاص فجأة بعد أن قال أحدهم على جهاز اللاسلكي

“شدّينا معمّر” !

رمينا بأنفسنا دون تردّد في حالة نكران هزلي، وضحكنا مستخفّين بهذه النكتة السمجة بالرغم من أن البعض ركب سيارته وشغّلها، حتى توالت الكلمات المخيفة وغير القابلة للتصديق في ذاك الجهاز المزعج

وجاء البشير على تويوتا “ثعلب” تحمل 14 ونص يبكي ويصيح

“شفته والله شفته.. معمّر يا جماعة .. الله أكبر.. الله أكبر”

فركبت السيارة مع سائق الإسعاف إلى المكان غير المعلوم الذي كانت تشدّنا إليه الزحمة، والذي اتضح أنه كان يفصل بيننا وبينه بضعة هكتارات

وصلنا إلى طريق مرتفعة تفصل بين مزرعتين، ونزلنا على يميننا فوجدنا ثلاثة جثث أمام أنبوبين ضخمين يخترقان باطن الطريق، هنا توقفت الملحمة التي دامت ثمانية أشهر، أو كما كنت أعتقد

وسط تلك الزحمة المركّزة بالتكبير وبين شاب يبكي وآخر يفقد صوته، أنظر بحاجبين مرتفعين إلى المسعف الآخر وأضحك محاولاً إقناع نفسي بما يحصل، وبأن الحرب انتهت وأنه حان الوقت لها كي تتحول إلى ذكرى لا أكثر وأقول بصوت متفاجئ “فراس .. خلاص تمّت الحرب”

الأنبوبان الذين أمسك في أحدهما معمّر القذافي في 2011. مزرعة في حي الزعفران، سرت. التقطت الصورة في 2012 بهاتف جوال Samsung Galaxy S3

كان أحد الجثث الثلاث يرمش بعينيه، فهممت أنا وفراس بإسعافه وأخرجت القفّاز من جيبي وساعدنا البعض في نقله على “الباريلّلا” عكس البعض الآخر الذي أراد لنا تركه “يفطس” ويلحق بإخوته

في تجاهل تام نقلناه إلى سيارة الإسعاف

وركبت مع المصاب من قوات القذافي في الخلف أنظر إلى ساقه الشبه مبتورة ووجهه المخطط بالأزرق الذي يعلوه نظرة اللامبالاة أو الصدمة! أتساءل كيف لا يتألم وأفكر في حقيقة أنه كان ملازماً لمعمّر طوال حرب سرت !

نقلناه إلى المستشفى الميداني المقابل لجامع الصفا والمروة، حيث وجدنا منصور ضو يتلقّى جلدات من سماعة الطبيب الغاضب

أمام زحمة المستشفى كانت كومة من الشباب والرجال تحيط بمراسل قناة الجزيرة

لا أتذكّر ماذا حدث للحالة التي أحضرناها ولكنني سمعت أنّ صديقي المسعف عبد الحميد من سوق الجمعة قد أصيب وبدأت البحث عنه ووجدت المسعف أبوبكر الباروني وسط زحمة المستشفى الذي أخبرني أن إصابته كانت بسبب قفزه فرحاً بانتهاء الحرب فأصاب قدمه ضحكنا ورأيت العديد من الأطباء وطلبة الطب يأخذون صوراً جماعية وأنا كالدايخ أو الذي تحت تأثير مخدّر ما، -مخدّر قوي- لا أعي ما يحصل !!

في تلك اللحظات الغريبة والسعيدة اشتقت لمستشفى بوابة الخمسين وأردت الذهاب

فركبت سيارة إسعاف إلى هناك

في طريقي رأيت لأول مرة رجال وشيابين وكذلك أطفال منطقة (الثلاثين) يحيطون بالطريق الرئيسي بوجوههم المتفاجئة والمصدومة ينظرون إلى السيارات وهي “تكلكس”

دخلنا بوابة المستشفى فرأيت الدكتور سراج من مدينة الزاوية بزيه الطبي الأزرق يحمل علم ليبيا يرفرف به فوق الأفق

فبدأت أقتنع شيئا فشيئاً بأن الحرب قد انتهت فعل

عندما نزلت إلى فرحتهم

مرّت بجانبي سيارة تويوتا “هايلوكس” تحمل جثة أبوبكر يونس بوجهه الأزرق الذي لطخه عمداً هو وأغلب الجثث التي وجدناها لسبب عسكري على ما بدا

وأنا أتجول ماشياً في ساحة المستشفى المليئة بالبشر السعداء والمحتفلين وجدت كومة أخرى من الشباب تحيط بهاتف نقال ينقل صورا لمعمّر في لحظات لقائه الأول مع أعدائه

رأيته في الفيديو وتيقّنتُ من الذي يحصل

قبل إقلاع الهيلوكوبتر إلى نفس محطّة معمّر، وجدت تحتها صديقتي المراسلة الكندية لدى قناة فرانس 24 “مارين” الممتلئة الجسم في حالة هستيرية تتوسّل إلي أن أخبرها الحقيقة وأؤكّد لها الخبر فأرحت سؤالها بإثبات الخبر وأعطيتها حتى إسم المنطقة التي أّمسِكَ فيها ذاك الذي يحتضر في وضع لا يُحسَد عليه..

المسافر إلى المدينة التي قصفها المسافر الموت!

قبل أن أتركها تمسك بهاتفها وتتكلم الفرنسية مع أحدهم

أرادت الذهاب في أسرع وقت إلى مصراتة للحصول على صور حصرية لأجل عملها

فسألتني إذا كنت أستطيع مساعدتها في ركوب الإسعاف الطائر

من حسن حظها أن كان الكابتن أحد أصدقائي

وأخبرتها بأن تفك مشبك شعرها وأن تطلق هذا الأخير على أطرافه علّه يعطي بعض الإغراء الذي سنحتاجه في موافقة الكابتن لها بالركوب

وفعلت ثم تحدثت للكابتن بسهولة وكانت أول واسطة أقدمها لأحدهم بعد 17 فبراير

وأنا ذاهب إلى ماكينة تعقيم الأدوات الجراحية بالمستشفى وأنظر فوقي إلى الهيلوكوبتر تطير صوب مصراتة التي أشعل النظر إليها تختفي في الأفق شرارة التفكير في أمهات الشهداء والجرحى

كنت أفكّر في وجوههن الآن وشهقاتهن وتنفسهن الصعداء بعد ضيق الحرب الذي يطال سماء الأحرار

دخلت المكان الذي لم أتوقّع قبلاً أنه سيكون فارغاً يوماً ما

الأسرّة نظيفة وغير ملطّخة بالدماء!

وكدت أنهار قبل وصولي إلى السرير الطبّي الذي كنت أسهر عليه أنظف أدوات الجراحة وأدخلها فرن التعقيم

استلقيت على السرير ووضعت رأسي لا أنظر إلى شيء

وبكيت لأجل الكثير

لأجل كل شيء مضى ويمضي

أتخيل مصراتة وأتصوّر وجوه أطفالها الباكية تضحك

أردت الفناء في تلك اللحظة

شعرت بالرسالة المنجزة

ولا أتذكّر متى توقفت عن البكاء

Leave a Reply