روعة

مازلت حتى اليوم..

كلما أرى قطة في الأرجاء، أو حتى في التلفاز

تعبث معي ذاكرتي فورا لتنحني رقبتي إلى الأمام من الحياء المتواضع الذي يعتريني أمام ذاك النوع من الكائنات

ما زلت أستحي من فصيلة السنوريات بأكملها وأشعر بأني مدين لها إلى الأبد كلما عبث اسم “روعة” بذاكرتي ولعب في عقلي الذي لا يتذكر عن صاحبة الاسم شيئا..

لا شكلها ولا حجمها ولا لونها حتى الآن.. ولا أعرف عن حادثة موتها إلا القليل الذي حكت لي عنه أختي الكبرى

أختي الكبرى هي صاحبة الضحية

كل ما أعرف أني كنت صغيرا عندما قتلتها بين يدي..

خنقتها على ما أظن

كنت مثل غيري من الأطفال لا أتحكم في نفسي عند رؤيتي لمخلوق جديد ، أو بالأحرى لشيء جديد

فأقترب وأكتشف وأخنق قطة تحت رأسي وأحيي فأرا في المخزن وأُخلّ بالتوازن البيئي للبيت

كانت روعة أول ضحاياي من الحجم الكبير، بعد أبوبريص الصيف عندما يزحف على أرضه الأخيرة أمامي، وصرصور المجاري عند زيارة سيارة الصرف الصحي، ونمل التنور القديم، ، وحلزون شجرة الزيتون، ونباتات الذرة الذي كنا نزرعها في الفناء الخلفي

ربما تطول القائمة أكثر 

فقد كنت أقتل عمدا ﻷعرف ماذا سيحدث للكائن الذي تستفزني حركته..

كانت لدي تلك الرغبة الدموية أو اليخضورية في رؤية الأشياء تموت تدريجيا وفقد حركتها شيئا فشيئا

( الفضول البشري دائما يُشبَع على حساب غيره من الكائنات “غير العاقلة”)

كان تدمير الأشياء وقتل الحي منها يثير روعتي وأشعر خلاله بالسيطرة والوجود وبه كنت أثبت شيئا أحيانا، أكثر من مجرد خلل سلوكي يميل للعدوانية. شيء لم أعرفه حتى اليوم

مستفزا بذلك ملك الموت

ولا أتذكر ما إذا كنت أستمتع بإنهاك ملك الموت أم لا؟!

فالأرواح التي خلعتها من أجسادها كثيرة ومتتالية وبإحصائية متزايدة في فصل الصيف

لا أعرف إن كان يشتمني أم لا.. ولكنني أعرف أني أشتم نفسي الآن

حين أرى قطة تركتها عجلة عربة ما، مسطحة على الطريق، ممددة بأمعاءها، تقددها الشمس، وقد صارت معبدا للذباب الأخضر يمارس عليها طقوسه الغريزية

حينها فقط أكره نفسي، وأشعر بأننا لا نستحق حتى عمرا أطول من عمر الذباب الذي يترمم على كائن ميت مسبقا ولا يقتله

أكره أفعالنا الطاغية فاقدة التبرير وفقيرة التبرئة كوننا ندّعي بأن قد فُضِّلنا على باقي الأجناس باسفنجة مجعدة مرصّعة بأنابيب دموية صغيرة . هذه الاسفنجة هي أكثر تجاعيد تشريحيا ووظائفيا وفي دهليزها يكمن العقل المشهور! “الوعي” والإدراك” وغيرها من المططلحات الفوقية والأعذار القبيحة لجرائمنا

أحيانا أكره هذا العقل الذي تحول إلى حجة للكرامة الخلقية -لا أكثر- وذريعة للتعجرف وتحقير المسؤولية

أكره وأبغض أشياء كثيرة حال تذكري لطفولتي المروعة والمنهية لحياة روعة

Leave a Reply