أرقام

لدي جزء من التقدير للإعلاميين الذين يحاربون البرد في كل يوم وفي كل نشرة وفي كل إلقاء خبر صار عاديا (ولكنه لا يجب أن يصير) لعدد ضحايا النزاعات والكوارث كأرقام يقرؤونها تظهر على شاشاتهم وأوراقهم

الأرقام الفلكية التي بتراكماتها صارت تنافس أرقام الحرب العالمية الثانية

يصارعون الاعتياد على هذه الفظائع البشرية وتمريرها لنا كأرقام بمسمى حصيلة..
يناضلون كي يبقوا على قيد الإنسانية والحرارة الفطرية التي ترتفع ذاتيا عندما نعلم بأن هناك كائنا بشريا في مكان ما قد مات بطريقة مؤسفة
بطريقة لا يستحقها
بطريقة لا ضلع له فيها إلا أنها أخرجت أضلاعه
إما من الجوع أو بقذيفة انشطارية أو بتحلل جثته قبل أن يدفن
أو ربما دفن في البحر عندما أراد الهروب بأضلاعه من العراء

أحترم الإعلاميين (إن وُجِدوا) الذين مازالوا يشعرون بالحزن والصدمة نتيجة غرق سبعة وصلب ثلاثة وذبح تسعة ومقتل العشرات وجرح المئات…
الذين يقاومون عفن نشر “الحصيلة” طويل المدى
الحصيلة اليومية أو الشهرية أو السنوية ولا ننسى حصيلة (منذ اندلاع الثورة) التي تزداد بازدياد حسابات المأجورين المصرفية

حصيلة بعد حصيلة
حصيلة على حصيلة
وكأنهم يقارنون حصاد المواسم ببعضها حيث الموسم الأكثر يحصل على العاجل الأول !

الحصيلة هي منبع الاعتياد وسوسة الأخبار
هي الثلاجة لمشاعرنا غير أنها لا تحفظها بل تجمدها

المشاعر الإنسانية تُحفَظ بالحرارة

لا أنكر أنني أتجاهل الكثير وأشيح بنظري بل وبكل حواسي عن ما يحصل بدافع الحفاظ على الصحة النفسية الشخصية، ولكنني لن أن أنكر أيضا أنني بهذا السلوك أقتل إنسانيتي المثيرة للشفقة حاليا
أشارك في جعل العالم أكثر سوادا وجنونا، بل وأكون جزءا من جنونه وقطرة سوداء أخرى في بحر الأنانية الذي غرقنا فيه قبل أن يغرق بسببه أطفال عائلة الرملي

يأسي من تحقيق السلام العالمي (حلم الطفولة عندما كان جورج بوش يقتل العراقيين) لا يجب أن يكون عذرا ليمر خبر غرق الأطفال النازحين بسلام
لا يجب أن يمر وكأنه خبر لفوز ملكة جمال قد فازت باللقب وصرّحت ببكاء أن هدفها هو “World Peace” !!

احترق القارب وربما أحرق بشرا معه
أرواح هربت من الموت على الساحل فانتزعت على الماء وهي تحترق.. ومن لم يحترق غرق
صرخ الأطفال فوق الماء ولم نسمعهم
لا أعرف لم أنا متفاجئ لعدم سماعنا صراخهم تحته
صرخوا حتى نفذ الهواء في رئاتهم كما نفذ إحساسنا بحال غيرنا
ثم صاروا جثثا تطفوا على الماء كما يطفوا عيبنا على جباهنا

يجب علينا جميعا أن نقطع التيار عن التجاهل وأن نشعر بالحرارة
كي نتوقف عن انتظار صيف إنساني يجعل الأطفال يلعبون على الشاطئ بضحكاتهم لا أن يغرقوا في دموعهم
وننهي هذا الاحتباس القطبي لقلوبنا الذي يجمد ما بقي من شعور بالآخر
أعرف أن الشعور بالآخر لن يفيد الآخر
ولكنه سيبقينا على قيد الإنسانية التي ربما ستفيد المستقبل

*ملاحظة : التاسع عشر من أغسطس هو اليوم العالمي للإنسانية

19 Dec 2015

Leave a Reply