عدوى الغربة

في صباح التاسع عشر من نوفمبر العام الماضي, استيقظت على خبر عربي نموذجي, (انفجار-قتلى وجرحى-اتهامات-نفي ) ولكن بدون تبنّي هذه المرّة وكأنّ الحدث أو بالأحرى (الخبر) وظيفته ملء فراغ التشويق الشرق أوسطي المتواصل بدون إحداث ضرر بالخارطة السياسيّة ومصالحها..

حيث انفجرت سياراتان ملغومتان أمام السفارة الإيرانية ببيروت, خلّف التفجير الانتحاري المزدوج أضراراً بشرية مأساوية, وأخرى مادّية كبيرة في السفارة والشارع على سواء !

قبيل ظهيرة ذاك اليوم قامت إحدى صديقاتي اللبنانيّات المغتربات بكتابة منشور على الفيسبوك باللغة الإنجليزية ترجمَته : “لبنان, أنا أكرهك من كل قلبي وروحي” !

هي على نقيض ما قالت تماماً, هي تحب بلدها, ولا شك بأنها كانت منزعجة جدّا ومستاءة لكون أن لبنان لم يتعافى بعد من رقص الطائفية على أرضه المكلّلة بالانفجارات, أو أنه تأقلم مع هذا الوضع المزري..

“لبنان, أنا أكرهك من كل قلبي وروحي”

لا أنكر أني خشيت أن أكتبها يوماً ما على بلدي, لن أنكر خوفي من تطوّر الوضع إلى كتابة حقدي على الفيسبوك.. وما أدراك على من ؟!

على وطني الذي ما زال يتمخّض ثورته, ويلد حريته المحرّمة على الجاهلين, الذي امتلأت بهم أرضه ووسعت عندهم المناصب, وضاق بالسارقين منهم برميل نفط !

الكثير من الآلام تكوّنت عند قراءتي لكلماتها, ربما تألّمت لأصدقائي الذين مرّت وجوههم على ذاكرتي من ذاك البلد الذي كان جميلاً.. ومازال أولئك الأصدقاء المغتربون وغير المغتربين يحلمون بعودة جماله وعودتهم إلى عدم التوقّف وسط أغنية فيروز “نسّم علينا الهوا” عندما تقول “خدني على بلادي” .. لا ألومهم.. فأنا الأخر في بلدي الذي لم يقع في معضلة بحجم لبنان بعد, بدأت أشعر بضياع صغير..

فأضع كل احتمال مستقبلي للبلاد بحيادية مطلقة من غير تشاؤم ولا تفاؤل, فقط لأجل دفع خيبة الأمل التي لا تنقصنا في الوقت الحالي, فقد تعلّمت فعل ذلك من صديقي اللبناني الذي علّمني مبادئ متطوّعي الهلال الأحمر..(الحياديّة أهمّها)

سأعيد, أن -صديقي- أيضاً من لبنان الذي علّم أبناءه الكثير..

دعني من همّ غيري, لدينا بلد أكبر وأكثر عرضة للاغتراب منه ولنشر حقدنا عليه في مواقع التواصل الاجتماعي, هذه البقعة من الأرض التي نعيش عليها تخيفني كثيراً بقدر ما أخاف عليها, واستمرار عجزي عن فعل شيء غير مقاومة كرهي لها, يبدو محبطاً للمدى البعيد, ومثيراً للشفقة من وجه ما, بالتأكيد ليس من الوجه الذي غادره الشهداء عندما ظنّوا أن زهور المستقبل ستُروى بدمائهم..

هذه الدولة التي تخلق يوم ميلادها من العدم, لا تقوى على تعليمي بالقدر الكافي لأُقرّب ذاك التاريخ المنشود, والوعد المقدّس الذي يقسم عليه أولادنا كل صباح عند تسميعهم لنا النشيد الوطني..

وهذا ما يزيد الوضع النفسي أقرب لحالة صديقتي اللبنانية, التي تنكر علناً حبها لوطنها وتكذب على نفسها –وهي تعلم- علّها تجد راحة وتبريراً لهربها من وطن يحتاجها ويظلمها في آن واحد..

ولهذا لا ألوم المغتربين, ولكنّني أخاف أن ألحق بهم

14 Jan 2014

An-Nas Journal

Leave a Reply