365 …

السحاب في انقراض، السماء في التهاب، والشمس تفتخر يوما بعد يوم بوجودها وتثبت أنها أقرب نجم على كوكبنا
بعد ربيع متقلب ختمته رياح القِبلي التي وبالرغم من أننا في القرن الواحد والعشرين إلا أنها لم تغير موضة ملابسها منذ أن رقد بلدي على الصحراء الكبرى. تزورنا نهاية كل ربيع بفستانها “البيج” الممل الذي يرغمنا على استقبالها بنظارات شمسية
في الحقيقة أسعد بزيارتها التي يتخوف منها كل من قام ب”لاوادجو” لسيارته في شهر مايو. أتحمس لزيارتها ﻷنها تحمل زمنيا عاما جديدا يُضاف إلى عمري كما تحمل فيزيائيا الغبار من الجنوب

ففي أول الصيف كان موعد دخولي هذه الدنيا (نسبياً، الخروج من شيء هو دخول لشيء آخر) لكنني صرت أعتبر الفرحة بذكرى هذا الموعد تقليدا طفوليا لا أكثر. لا أعرف ما المغزى من الاحتفال به بعد سن العشرين ؟ فهو يتحول إلى منبّه لقنبلة الكِبر في السن التي تنكز مراهقتنا المزيفة وتزعج رغبتنا في فعل الحماقات الممتعة

أرجع إلى الصيف الذي لم يغيّر هو أيضا حلّته منذ أن وجدت.الأرض محورا تدور حوله، وإن فعل، فإصبع الاتّهام سيشير إلى البشر أو من أرغمه على تغييرها !
بعد ثوراتنا الصناعية ألبسناه ثيابا جديدة أطول من سابقاتها التي كانت تميزه على إخوته الثلاثة، أو الخمسة أو اللاأعرف كم فصلا خلقته مداخن مصانعنا ؟ لنحقق أكبر إنجاز بشري وأعظم بصمة إنسانية على الكرة الأرضية التي سئمت منا.. الاحتباس الحراري عصاتنا السحرية التي ما إن لمسنا بها شيئا إلا و تغير شكله وطوله وعرضه ولونه ودرجة حرارته وأحيانا ذكرياته..
فصيف اليوم ليس كالأمس !

(حتى الفصول الأربعة لم تسلم من تدخلنا في ملابس الغير)

لا تستغرب من كون كلماتي ذات طابع حقوق/بيئي، فلو انتظرت أمي يوما واحدا قبل ولادتي لكنت ولدت في اليوم العالمي للبيئة في الخامس من يونيو كما اختارته الأمم المتحدة (مالكة العام ومُسمِّية الأيام)

حملت أمي بي بعد ولادة أخت وأخوين. كانت متشوقة لإحداث توازن في الأسرة بجلب أخت صغرى ولكنها لم تكن تعلم أن المجتمع الذكوري سيطال كتيّب العائلة ويميل كفّة الميزان إلى هرمون التستوستيرون.

في يوم جمعة (مُبارك بتحفّظ) وثالث أيام عيد الأضحى ولكن رابع أيام يونيو.. لو أبكر رحم أمّي بطردي ثلاثة أيام قبل تلك الجمعة لشاركت مارلين مونرو عيد ميلادها وكسبت أمّي إجازة الأمومة في العيد الكبيرة، بتشفشيف روسها وغسل كرشتها.. ولكن بدلاً من ذلك، شاركت أنجلينا جولي عيد الميلاد وتركت أمّي على السرير بعد اطمئنانها على القدّيد المنشور. الساعة الحادية عشر ليلاً في مستشفى “أبوشعالة خرجتُ ومعي خرجت خيبة أمل بحجم قضيبي حينها وبفرحة سرية في قلب أمّي! -فلنكن واقعيين- الحكم الأبوي يفرح بالذكور. وأختي الكبرى المتحمّسة إلى من يساعدها في غسل الصحون صارت مثل معظم شعوب المنطقة تنتظر الخير (اللي جاي)

كان اسمي ليكون “غسّان” أو “لؤي” الآن، أو ربما “علي” إن خضعت أمّي لرغبة العائلة. لكن جدّتي رابعة “الشعاعلية الواعرة” كان لها رأي آخر! فحقيقة أن كل كتيّب عائلة من أُسَر أبنائها يحمل اسم “رابعة” إلا أسرة أبي لم تكن سهلة القبول، فقد أنقذ أختي الكبرى من هذا الاسم موت إحدى الأقرباء الذي ذهب اسمها إلى أختي، وإن لم أحظى بالعضو التناسلي المطلوب لهذا الاسم، فإن الاسم يقبل عملية تغيير عابر للجنس. وبهذا تحوّر الاسم إلى “ربيع”
نعم، لا علاقة لتسميتي بفصل الربيع!

مع كل سنة تمضي، تجاهلي لابتذال عيد الميلاد يضارع والخوف من المستقبل يزيد. مع هذا اليوم أتذكّر الحيّز من الفراغ الذي شغلته والأمانة التي وُلدَت معه. أشعر بأن عليّ الشكر. من أرسلني. وشكر بولكس وكاستر على وجودهما في سماء ليلة ميلادي وتبنّيهما لي تحت برج الجوزاء. وأفعل ما أفعله كل ليلة ذكرى ميلاد، أضع رأسي على الوسادة معتقداً بأن هناك وزناً من 365 كيلو مسؤولية قد وُضِع على ظهري
ثم أصبح في اليوم التالي لا أشعر بأي فرق وأنتظر رياح القبلي من جديد.

 

2 thoughts on “365 …

Leave a Reply